منتدى آل علوش وأقربائهم

اهلا وسهلا بك معنا بمنتدى ال علوش..
نتمنى لك زياره سعيده..
وان تصبح فرد من العائله..
منتدى آل علوش وأقربائهم

منتدى آل علوش وأقربائهم بنية الجمع على المحبة والمنفعة العامة والصلاح والفوز بالجنة


    تابع كتاب كليلة ودمنة جزء 1

    شاطر
    avatar
    zooro

    عدد المساهمات : 14
    تاريخ التسجيل : 29/04/2010

    تابع كتاب كليلة ودمنة جزء 1

    مُساهمة من طرف zooro في الأحد مايو 02, 2010 7:11 am

    باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع
    هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك بصنوف الحيل؛ ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على أفواه البهائم والطير. فاجتمع لهم بذلك خلالٌ. أما هم فوجدوا متصرفاً في القول وشعاباً يأخذون منها. وأما الكتاب فجمع حكمةً ولهواً: فاختاره الحكماء لحكمته. والسفهاء للهوه، والمتعلم من الأحداث ناشطٌ في حفظ ما صار إليه من أمر يربط في صدره ولا يدري ما هو، بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوي مرقومٍ. وكان كالرجل الذي لما استكمل الرجولية وجد أبويه قد كنزا له كنوزاً وعقدا له عقوداً استغنى بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته؛ فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب.

    وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له؛ وإلى أي غايةٍ جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصحٍ؛ وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالاً: فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرةً يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه وإن كان غيته استتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه شيءٌ يرجع إليه نفعه.
    ومن استكثر من جمع العلوم وقراءة الكتب؛ من غير إعمال الروية فيما يقرؤه، كان خليقاً ألا يصيبه إلا ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز، فظهر لو موضع آثار كنز؛ فجعل يحفر ويطلب، فوقع على شيءٍ من عينٍ وورقٍ؛ فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلاً قليلاً طال علي، وقطعني الاشتغال بنقله وإحرازه عن اللذة بما أصبت منه؛ ولكن سأستأجر أقواماً يحملونه إلى منزلي، وأكون أنا أخرهم، ولا يكون بقي ورائي شيءٌ يشغل فكري بنقله؛ وأكون قد استظهرت لنفسي في إراحة بدني عن الكد بيسير الأجرة أعطيهم إياها. ثم جاء بالحمالين، فجعل يحمل كل واحدٍ منهم ما يطيق، فينطلق به إلى منزله: فلم يجد فيه من المال شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً. وإذا كل واحدٍ من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه. ولك يكن له من ذلك إلا العناء والتعب: لأنه لم يفكر في آخر أمره. وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما فيه، ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً، لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه؛ كما لو أن رجلاً قدم له جوزٌ صحيحٌ لم ينتفع به إلا أن يكسره؛ وكان أيضاً كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس؛ فأتى صديقاً له من العلماء، له علمٌ بالفصاحة، فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح؛ فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه؛ فانصرف المتعلم إلى منزله؛ فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها. ثم إنه جلس ذات يومٍ في محفلٍ من أهل العلم والأدب، فأخذ في محاورتهم؛ فجرت له كلمةٌ أخطأ فيها؛ فقال له بعض الجماعة: إنك قد أخطأت؛ والوجه غير ما تكلمت به، فقال وكيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء؛ وهي في منزلي? فكانت مقالته لهم أوجب للحجة عليه وزاده ذلك قرباٌ من الجهل وبعداً من الأدب.
    ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بنا علم منه لينتفع به؛ ويجعله مثالاً لا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك، كان مثله كالرجل الذي زعموا أن سارقاً تسور عليه وهو نائم في منزله، فعلم به فقال: والله لأسكتن حتى أنظر ماذا يصنع، ولا أذعره؛ ولا أعلمه أني قد علمت به. فإذا بلغ مراده قمت إليه، فنغصت ذلك عليه. ثم إنه أمسك عنه. وجعل السارق يتردد، وطال تردده في جمعه ما يجده؛ فغلب الرجل النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد، وأمكنه الذهاب. واستيقظ الرجل، فوجد اللص قد أخذ المتاع وفاز به. فأقبل على نفسه يلومها، وعرف أن لم ينتفع بعلمه باللص: إذ لم يستعمل في أمره ما يجب. فالعلم لا يتم إلا بالعمل، وهو كالشجرة والعمل به كالثمرة. وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به؛ وإن لم يستعمل ما يعلم لا يسمى عالماً. ولو أن رجلاً كان عالماً بطريقٍ مخوفٍ، ثم سلكه على علمٍ به، سمي جاهلاً؛ ولعله إن حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواءً هجمت بها فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي قد جهله. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره، كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله، ثم يحمله الشره على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته. وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك وميزه وعرف فضل بعضه على بعض كما أنه لو أن رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، كانا إذا صارا في قاعها بمنزلةٍ واحدةٍ؛ غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير: إذ كانت له عينان يبصر بهما، وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.
    وعلى العالم أن يبدأ بنفسه ويؤدبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناؤه العلم لمعاونة غيره، ويكون كالعين التي يشرب منها الناس ماءها وليس لها في ذلك شيءٌ من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به. فينبغي لمن يطلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه، ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه ؛ فإن خلالاً ينبغي لصاحب الدنيا أن يقتنيها ويقبسها: منها العلم والمال. ومنها اتخاذ المعروف. وليس للعالم أن يعيب أمراً بشيءٍ فيه مثله، ويكون كالأعمى الذي يعير الأعمى بعماه. وينبغي لم طلب أمراً أن يكون له فيه غايةٌ ونهايةُ، ويعمل بها، ويقف عندها؛ ولا يتمادى في الطلب؛ فإنه يقال: من سار إلى غير غاية يوشك أن تنقطع به مطيته؛ وأنه كان حقيقاً ألا يعني نفسه في طلب ما لا حد له، وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه؛ ولا يكون لدنياه مؤثراً على أخرته: فإن من لم يعلق قلبه بالغايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحدٍ: أحدهما النسك والآخر المال الحلال ولا يليق بالعاقل أن يؤنب نفسه على ما فاته وليس في مقدوره؛ فربما أتاح الله ما يهنأ به ولم يكن في حسبانه. ومن أمثال هذا أن رجلاً كان به فاقةٌ وجوعٌ وعريٌ، فألجأه ذلك إلى أن سأل أقاربه أصدقاءه، فلم يكن عند أحد منهم فضل يعود به عليه. فبينما هو ذات ليلةٍ في منزله إذ أبصر بسارقٍ فيه؛ فقال: والله ما في منزلي شيءٌ أخاف عليه: فليجهد السارق جهده. فبينما السارق يجول إذ وقعت يده على خابية فيها حنطةٌ، فقال السارق: والله ما أحب أن يكون عنائي الليلة باطلاً. ولعلي لا أصل إلى موضع آخر، ولكن سأحمل هذه الحنطة. ثم بسط قميصه ليصب عليه الحنطة. فقال الرجل: أيذهب هذا بالحنطة وليس ورائي سواها? فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات به. وما تجتمع والله هاتان الخلتان على أحدٍ إلا أهلكاه. ثم صاح بالسارق، وأخذ هراوةً كانت عند رأسه؛ فلم يكن للسارق حليةٌ إلا الهرب منه، وترك قميصه ونجا بنفسه؛ وغدا الرجل به كاسياً. وليس ينبغي أن يركن إلى مثل هذا ويدع ما يجب عليه من الحذر والعمل في مثل هذا لصلاح معاشه؛ ولا ينظر إلى من تواتيه المقادير وتساعده على غير التماس منه: لأن أولئك في الناس قليلٌ؛ والجمهور منهم من أتعب نفسه في الكد والسعي فيما يصلح أمره وينال به ما أراد. وينبغي أن يكون حرصه على ما طاب كسبه وحسن نفعه؛ ولا يتعرض لما يجلب عليه العناء والشقاء؛ فيكون كالحمامة التي تفرخ الفراخ وتذبح، ثم لا يمنعها ذلك أن تعود فتفرخ موضعها، وتقيم بمكانها فتؤخذ الثانية من فراخها فتذبح. وقد يقال: إن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ حداً يوقف عليه. ومن تجاوز في أشياء حدها أوشك أن يلحقه التقصير عن بلوغها. ويقال: من كان سعيه لأخرته ودنياه فحياته له وعليه. ويقال في ثلاثة أشياء يجب على صاحب الدنيا إصلاحها وبذل جهده فيها: منها أمر معيشته؛ ومنها ما بينه وبين الناس؛ ومنها ما يكسبه الذكر الجميل بعد. وقد قيل في أمورٍ من كن فيها لم يستقم له عملٌ. من التواني؛ ومنها تضييع الفرص؛ ومنها التصديق لكل مخبرٍ. فرب مخبرٍ بشيءٍ عقله ولا يعرف استقامته فيصدقه.
    وينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهماً؛ ولا يقبل من كل أحدٍ حديثاً؛ ولا يتمادى في الخطأ إذا ظهر له خطؤه ولا يقدم على أمرٍ حتى يتبين له الصواب، وتتضح له الحقيقة؛ ولا يكون كالرجل الذي يحيد عن الطريق، فيستمر على الضلال، فلا يزداد في السير إلا جهداً، وعن القصد إلا بعداً؛ وكالرجل الذي تقذى عينه فلا يزال يحكها، وربما كان ذلك الحك سبباً لذهابها. ويجب على العاقل أن يصدق بالقضاء والقدر، ويأخذ بالحزم، ويحب الناس ما يحب لنفسه، ولا يلتمس صلاح نفسه بفساد غيره، فإنه من فعل ذلك كان خليقاً أن يصيبه ما أصاب التاجر من رفيقه.
    فإنه يقال إنه كان رجلٌ تاجرٌ، وكان له شريكٌ، فاستأجرا حانوتاً، وجعلا متاعهما فيه. وكان أحدهما قريب المنزل من الحانوت؛ فأضمر في نفسه أن يسرق عدلاً من أعدال رفيقه؛ ومكر الحيلة في ذلك، وقال: إن أتيت ليلاً لم آمن من أن أحمل عدلاً من أعدالي أو رزمة من رزمي ولا أعرفها؛ فيذهب عنائي وتعبي باطلاً. فأخذ رداءه، وألقاه على العدل الذي أضمر أخذه. ثم انصرف إلى منزله. وجاء رفيقه بعد ذلك ليصلح أعداله، فوجد رداء شريكه على بعض أعداله، فقال: والله هذا رداء صاحبي؛ ولا أحسبه إلا قد نسيه. وما الرأي أن أدعه هاهنا؛ ولكن اجعله على رزمه؛ فلعله يسبقني إلى الحانوت فيجده حيث يحب. ثم أخذ الرداء فألقاه على عدلٍ من أعدال رفيقه ومعه رجلٌ قد واطأه على ما عزم عليه، وضمن له جعلاً على حمله؛ فصار إلى الحانوت؛ فالتمس الإزار في الظلمة فوجده على العدل؛ فاحتمل ذلك العدل؛ وأخرجه هو والرجل، وجعلا يتراوحان على حمله؛ حتى أتى منزله، ورمى نفسه تعباً. فلما أصبح افتقده فإذا هو بعض أعداله؛ فندم أشد الندامة. ثم انطلق نحو الحانوت، فوجد شريكه قد سبقه إليه ففتح الحانوت ووجد العدل مفقوداً: فاغتم لذلك غماً شديداً؛ وقال: واسوءتاه من رفيق صالحٍ قد ائتمنني على ماله وخلفني فيه! ماذا يكون حالي عنده? ولست أشك في تهمته إياي. ولكن قد وطنت نفسي على غرامته. ثم أتى صاحبه فوجده مغتماً، فسأله عن حاله؛ فقال إني قد افتقدت الأعدال، وفقدت عدلاً من أعدالك، ولا أعلم بسببه؛ وإني لا أشك في تهمتك إياي؛ وإني قد وطنت نفسي على غرامته. فقال له: يا أخي لا تغتم: فإن الخيانة شر ما عمله الإنسان، والمكر والخديعة لا يؤديان إلى خيرٍ؛ وصاحبهما مغرور أبداً، وما عاد وبال البغي إلا على صاحبه: وكيف كان ذلك? فأخبره بخبره، وقص عليه قصته. فقال له رفيقه: ما مثلك إلا مثل اللص والتاجر. فقال له: وكيف كان ذلك? قال: زعموا أن تاجراً كان له في منزله خابيتان إحداهما مملوءة حنطة، والأخرى مملوءة ذهباً. فترقبه بعض اللصوص زماناً، حتى إذا كان بعض الأيام تشاغل التاجر عن المنزل؛ فتغفله اللص، ودخل المنزل، وكمن في بعض نواحيه. فلما هي بأخذ الخابية التي فيها الدنانير أخذ التي فيها الحنطة، وظنها التي فيها الذهب؛ ولم يزل في كدٍ وتعبٍ حتى أتى بها منزله فلما فتحها وعلم ما فيها ندم. قال له الخائن: ما أبعدت المثل، ولا تجاوزت القياس؛ وقد اعترفت بذنبي وخطئي عليك، وعزيز علي أن يكون هذا كهذا. غير أن النفس الرديئة تأمر بالفحشاء. فقبل الرجل معذرته، وأضرب عن توبيخه وعن الثقة به؛ وندم هو عندما عاين من سوء فعله وتقديم جهله.
    وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه. بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال، حتى ينتهي منه؛ ويقف عند كل مثلٍ وكلمةٍ، ويعمل فيها رؤيته؛ ويكون مثل أصغر الاخوة الثلاثة الذين خلف لهم أبوهم المال الكثير، قتنازعوه بينهم؛ فأما الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في غير وجهه؛ وأما الصغير فإنه عندما نظر ما صار إليه أخواه من إسرافهما وتخليهما من المال، اقبل على نفسه يشاورها وقال: يا نفسي إنما المال يطلبه صاحبه، ويجمعه من كل وجهٍ: لبقاء حاله، وصلاح معاشه ودنياه، وشرف منزلته في أعين الناس، واستغنائه عما في أيديهم، وصرفه في وجهه: من صلة الرحم، والإنفاق على الولد، والإفضال على الإخوان. فمن كان له مالٌ ولا ينفقه في حقوقه، كان كالذي يعد فقيراً وإن كان موسراً. وإن هو أحسن إمساكه والقيام عليه، لم يعدم الأمرين جميعاً من دنيا تبقى عليه، وحمدٍ يضاف إليه؛ ومتى قصد إنفاقه على غير الوجوه التي علمت، لم يلبث أن يتلفه ويبقى على حسرةٍ وندامةٍ. ولكن الرأي أن أمسك هذا المال، فإني أرجو أن ينفعني الله به: ويغني أخوي على يدي: فإنما هو مال أبي ومال أبيهما. وإن أولى الإنفاق على صلة الرحم وإن بعدت، فكيف بأخوي? فأنفذ فأحضرهما وشاطرهما ماله، وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه من غير ضجرٍ، ويلتمس جواهر معانية، ولا يظن أن نتيجة الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبعٍ لثورٍ: فينصرف بذلك عن الغرض المقصود. ويكون مثله مثل الصياد الذي كان في بعض الخلجان يصيد فيه السمك في زورق فرأى ذات يوم في أرض الماء صدفةً تتلألأ حسناً، فتوهمها جوهراً له قيمة وكان قد ألقى شبكته في البحر، فاشتملت على سمكةٍ كانت قوت يومه، فخلاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة، فلما أخرجها وجدها فارغة لا شيء فيها مم ظن. فندم على ترك ما في يده للطمع، وتأسف على ما فاته، فلما كان اليوم الثاني تنحى عن ذلك المكان، وألقى شبكته، فأصاب حوتاً صغيراً، ورأى أيضاً صدفة سنيةً، فلم يلتفت إليها، وساء ظنه بها، فتركها. فاجتاز بها بعض الصيادين فأخذها، فوجد فيها درةً تساوي أموالاً. وكذلك الجهال إذا أغفلوا أمر التفكير في هذا الكتاب، وتركوا الوقوف على أسرار معاني، وأخذوا بظاهره. ومن صرف همته إلى النظر في أبواب الهزل، كان كرجلٍ أصاب أرضاً طيبةًَ حرةً وحباً صحيحاً، فزرعها وسقاها، حتى إذا قرب خيرها وأينعت، تشاغل عنها بجمع ما فيها من الزهر وقطع الشوط؛ فأهلك بتشاغله ما كان أحسن فائدةً وأجمل عائدةً.
    وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراضٍ: أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته أهل الهزل من الشبان، فتستمال به قلوبهم: لأنه الغرض بالنوادر من حيل الحيوان.
    والثاني إظهار خيالات الحيوان بصنوف الأصباغ والألوان: ليكون أنساً لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة في تلك الصور. والثالث أن يكون على هذه الصفة: فيتخذه الملوك والسوقة، فيكثر بذلك انتساخه، ولا يبطل فيخلق على مرور الأيام؛ ولينتفع بذلك المصور والناسخ أبداً. والغرض الرابع، وهو الأقصى، وذلك مخصوص بالفيلسوف خاصةً.
    باب بروزيه ترجمة بزرجمهر بن البختكان
    قال بروزيه رأس أطباء فارس، وهو الذي تولى انتساخ هذا الكتاب، وترجمه من كتب الهند - وقد مضى ذكر ذلك من قبل - : أبي كان من المقاتلة، وكانت أمي من عظماء بيوت الزمازمة . وكان منشئي في نعمةٍ كاملةٍ، وكنت أكرم ولد أبوي عليهما؛ وكانا بي أشد احتفاظاً من دون إخوتي، حتى إذا بلغت السبع سنين، أسلماني إلى المؤدب؛ فلما حذقت الكتابة، شكرت أبوي؛ ونظرت في العلم، فكان أول ما ابتدأت به وحرصت عليه، علم الطب: لأني كنت عرفت فضله. وكلما ازددت منع علماً ازددت فيه حرصاً ، وله اتباعاً. فلما همت نفسي بمداواة المرضى، وعزمت على ذلك آمرتها ثم خيرتها بين الأمور الأربعة التي يطلبها الناس، وفيها يرغبون، ولها يسعون. فقلت: أي هذه الخلال أبتغي في علمي? وأيها أحرى بي فأدرك منه حاجتي? المال، أم الذكر، أم اللذات أم الآخرة? وكنت وجدت في كتب الطب أن أفضل الأطباء من واظب على طبه، لا يبتغي إلا الآخرة. فرأيت أن أطلب الاشتغال بالطب ابتغاء الآخرة: لئلا أكون كالتاجر الذي باع ياقوتةً ثمينةً بخرزةٍ لا تساوي شيئاً؛ مع أني قد وجدت في كتب الأولين أن الطبيب الذي يبتغي بطبه أجر الآخرة لا ينقصه ذلك حظه في الدنيا. وإن مثله مثل الزارع الذي يعمر أرضه ابتغاء الزرع لا ابتغاء العشب. ثم هي لا محالة نابت فيها ألوان العشب مع يانع الزرع. فأقبلت على مداواة المرضى ابتغاء أجر الآخرة، فلم أدع مريضاً أرجو له البرء، وآخر لا أرجو له ذلك، إلا أني أطمع أن يخف عنه بعض المرض، إلا بالغت في مداواته ما أمكنني القيام عليه بنفسي؛ ومن لم أقدر على القيام عليه وصفت له ما يصلح، وأعطيته من الدواء ما يعالج به. ولم أرد ممن فعلت معه ذلك جزاءً ولا مكافأةً؛ ولم أغبط أحداً من نظرائي الذين هم دوني في العلم وفوقي في الجاه والمال وغيرهما مما لا يعود بصلاح ولا حسن سيرةٍ قولاً ولا عملاً. لما تاقت نفسي إلى غشيانهم وتمنت منازلهم أثبت لها الخصومة ؛ فقلت لها: يا نفس، أما تعرفين نفعك من ضرك? ألا تنتهين عن تمني ما لا يناله أحد إلا قلّ انتفاعه به، وكثر عناؤه فيه، واشتدت المئونة عليه وعظمت المشقة لديه بعد فراقه? يا نفسي، أما تذكرين ما بعد هذه الدار: فينسيك ما تشرهين إليه منها? ألا تستحبين من مشاركة الفجار في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده شيءٌ منها فليس له، وليس بباقٍ عليه؛ فلا يألفها إلا المغترون الجاهلون? يا نفس انظري في أمرك، وانصرفي عن هذا السفه، وأقبلي بقوتك وسعيك على تقديم الخير، وإياك والشر، واذكري أن هذا الجسد موجودٌ لآفاتٍ، وأنه مملوءٌ أخلاطاً فاسدةً قذرةً، تعقدها الحياة، والحياة إلى نفادٍ؛ كالصنم المفصلة أعضاؤه إذا ركبت ووضعت، يجمعها مسمارٌ واحدٌ، ويضم يعضها إلى بعضٍ، فإذا أخذ ذلك المسمار تساقطت الأوصال. يا نفس، لا تغتري بصحبة أحبائك وأصحابك، ولا تحرصي على ذلك كل الحرص: فإن صحبتهم - على ما فيها من السرور - كثيرة المئونة، وعاقبة ذلك الفراق. ومثلها مثل المغرفة التي تستعمل في جدتها لسخونة المرق، فإذا انكسرت صارت وقوداً. يا نفس، لا يحملنك أهلك وأقاربك على جمع ما تهلكين فيه، إرادة صلتهم؛ فإذا أنت كالدخنة الأرجة التي تحترق ويذهب آخرون بريحها. يا نفس، لا يبعد الكثير باليسير؛ كالتاجر الذي كان له ملء بيتٍ من الصندل، فقال: إن بعته وزناً طال علي، فباعه جزافاً بأبخس الثمن. وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة؛ وكلٌ على كلٍ رادٌ، وله عدوٌ ومغتابٌ، ولقوله مخالفٌ. فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحدٍ منهم سبيلاً؛ وعرفت أني إن صدقت أحداً منهم لا علم لي بحاله، كنت في ذلك كالمصدق المخدوع الذي زعموا في شأنه أن سارقاً علا ظهر بيت رجلٍ من الأغنياء، وكان معه جماعةٌ من أصحابه، فاستيقظ صاحب المنزل من حركة أقدامهم، فعرف امرأته ذلك؛ فقال لها: رويداً إني لأحسب اللصوص علوا البيت، فأيقظيني بصوت يسمعه اللصوص وقولي ألا تخبرني أيها الرجل عن أموالك هذه الكثيرة وكنوزك العظيمة? فإذا نهيتك عن هذا السؤال فألحي علي بالسؤال. ففعلت المرأة ذلك وسألته كما أمرها؛ وأنصتت اللصوص إلى سماع قولهما. فقال لها الرجل: أيتها المرأة، قد ساقك القدر إلى رزقٍ واسعٍ كثيرٍ: فكلي واسكتي، ولا تسألي عن أمرٍ إن أخبرتك به لم آمن من أن يسمعه أحدٌ، فيكون في ذلك ما أكره وتكرهين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحدٌ يسمع كلامنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: وكيف كان ذلك? وما كنت تصنع? قال: ذلك لعلمٍ أصبته في السرقة، وكان الأمر علي يسيراً، وأنا آمن من أن يتهمني أحدٌ أو يرتاب في.ين. فقالت المرأة: أخبرني أيها الرجل، فلعمري ما بقربنا أحدٌ يسمع كلامنا. فقال لها: فإني أخبرك أني لم أجمع هذه الأموال إلا من السرقة. قال: وكيف كان ذلك? وما كنت تصنع? قال: ذلك لعلمٍ أصبته في السرقة، وكان الأمر علي يسيراً، وأنا آمن من أن يتهمني أحدٌ أو يرتاب في.
    قالت: فاذكر لي ذلك، قال: كنت أذهب في الليلة المقمرة، أنا وأصحابي، حتى أعلو داء بعض الأغنياء مثلنا؛ فأنتهي إلى الكوة التي يدخل منها الضوء فأرقي بهذه الرقية وهي شولم شولم سبع مرات، وأعتنق الضوء؛ فلا يحس بوقوعي أحدٌ، فلا أدع مالاً ولا متاعاً إلا أخذته. ثم أرقي بتلك الرقية سبع مراتٍ. وأعتنق الضوء فيجذبني؛ فأصعد إلى أصحابي، فنمضي سالمين آمنين. فلما سمع اللصوص ذلك قالوا: قد ظفرنا الليلة بما نريد من المال؛ ثم إنهم أطالوا المكث حتى ظنوا أن صاحب الداء وزوجته قد هجعا؛ فقام قائدهم إلى مدخل الضوء؛ وقال: شولم شولم سبع مراتٍ؛ ثم اعتنق الضوء لينزل إلى أرض المنزل، فوقع على أم رأسه منكساً. فوثب إليه الرجل بهراوته، وقال له: من أنت? قال: أنا المصدق المخدوع المغتر يما لا يكون أبداً؛ وهذه ثمرة رقيتك. فلما تحرزت من تصديق ما لا يكون، ولم آمن إن صدقته أن يوقعني في مهلكةٍ عدت إلى طلب الأديان والتماس العدل منها؛ فلم أجد عند أحدٍ ممن كلمته جواباً فيما سألته عنه فيها، ولم أر فيما كلموني به شيئاً يحق لي في عقلي أن أصدق به ولا أن أتبعه. فقلم لما لم أجد ثقةً آخذ منه، الرأي أن ألزم دين آبائي وأجدادي الذي وجدتهم عليه. فلما ذهبت التمس العذر لنفسي في لزوم دين الآباء والأجداد، لم أجد لها على الثبوت على دين الآباء طاقةً؛ بل وجدتها تريد أن تتفرغ للبحث عن الأديان والمسألة عنها، وللنظر فيها؛ فهجس في قلبي وخطر على بالي قرب الأجل وسرعة انقطاع الدنيا واعتباط أهلها وتحزم الدهر حياتهم. ففكرت في ذلك. فلما خفت من التردد والتحول، رأيت ألا أتعرض لما أتخوف منه المكروه؛ وأن أقتصر على عملٍ تشهد النفس أنه يوافق كل الأديان. فكففت يدي عن القتل والضرب، وطرحت نفسي عن المكروه والغضب والسرقة والخيانة والكذب والبهتان والغيبة، وأضمرت في نفسي ألا أبغي على أحدٍ، ولا أكذب بالبعث ولا القيامة ولا الثواب ولا العقاب؛ وزايلت الأشرار بقلبي، وحاولت الجلوس مع الأخيار بجهدي، ورأيت الصلاح ليس كمثله صاحب ولا قرينٌ، ووجدت مكسبه إذا وفق الله وأعان يسيراً؛ ووجدته لا ينقص على الإنفاق منه؛ بل يزداد جدةً وحسناً؛ ووجدته لا خوف عليه من السلطان أن يغصبه، ولا من الماء أن يغرقه، ولا من النار أن تحرقه، ولا من اللصوص أن تسرقه، ولا من السباع وجوارح الطير أن تمزقه؛ووجدت الرجل الساهي اللاهي المؤثر اليسير يناله في يومه ويعدمه في غده على الكثير الباقي نعيمه، يصيبه ما أصاب التاجر الذي زعموا أنه كان له جوهرٌ نفيسٌ، فاستأجر لثقبه رجلاً، اليوم بمائة دينار؛ وانطلق به إلى المنزل ليعمل؛ وإذا في ناحية البين صنجٌ موضوعٌ. فقال التاجر للصانع: هل تحسن أن تلعب بالصنج? قال نعم. وكان بلعبه ماهراً. فقال التاجر: دونك الصنج فأسمعنا ضربك به. فأخذ الرجل الصنج، ولم يزل يسمع التاجر الضرب الصحيح، والصوت الرفيع، والتاجر يشير بيده ورأسه طرباً، حتى أمسى. فلما حان وقت الغروب قال الرجل للتاجر: مر لي بالأجرة. فقال له التاجر: وهل عملت شيئاً تستحق به الأجرة? فقال له: عملت ما أمرتني به، وأنا أجيرك، وما استعملتني عملت؛ ولم يزل به حتى استوفى منه مائة دينار. وبقي جوهره غير مثقوب. فم أزدد في الدنيا وشهواتها نظراً، إلا ازددت فيها زهادةً ومنها هرباً. ووجدت النسك هو الذي يمهد للمعاد كما يمهد الوالد لولده؛ ووجدته هو الباب المفتوح إلى النعيم المقيم؛ووجدت الناسك قد تدبر فعلته بالسكينة فشكر؛ وتواضع وقنع فاستغنى، ورضي ولم يهتم، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار طاهراً، واطرح الحسد فوجبت له المحبة، وسخت نفسه بك شيءٍ؛ واستعمل العقل وأبصر العاقبة فأمن الندامة، ولم يخف الناس ولم يدب إليهم فسلم منهم. فلم أزدد في أمر النسك نظراً، إلا ازددت فيه رغبةً، حتى هممت أن أكون من أهله. ثم تخوفت ألا أصبر على عيش الناسك، ولم آمن إن تركت الدنيا وأخذت في النسك، أن أضعف عن ذلك؛ ورفضت إعمالاً كنت أرجو عائدتها؛ وقد كنت أعملها فأنتفع بها في الدنيا، فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مر بنهرٍ وفي فيه ضلعٌ، فرأى ظلها في الماء، فهوى ليأخذها، فأتلف ما كان معه؛ ولم يجد في الماء شيئاً. فهبت النسك مهابةً شديدةً، وخفت من الضجر وقلة الصبر، وأردت الثبوت على حالتي التي كنت عليها. ثم بدا لي أن أسبر ما أخاف ألا أصبر عليه من الأذى والضيق والخشونة في النسك؛ وما يصيب صاحب الدنيا من البلاء؛ وكان عندي أنه ليس شيءٌ من شهوات الدنيا ولذاتها إلا وهو متحول إلى الأذى ومولدٌ للحزن. فالدنيا كالماء الملح الذي يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فلا يزال يطلب ذلك حتى يدمي فاه. وكالحدأة التي تظفر بقطعة من اللحم، فيجتمع عليها الطير، فلا تزال تدور وتدأب حتى تعيا وتتعب؛ فإذا تعبت ألقت ما معها. وكالكوز من العسل الذي في أسفله السم الذي يذاق منه حلاوةٌ عاجلةٌ وآخره موتٌ ذعافٌ ، وكأحلام النائم التي يفرح بها الإنسان في نومه، فإذا استيقظ ذهب الفرح. فلما فكرت في هذه الأمور، رجعت إلى طلب النسك، وهزني الاشتياق إليه؛ ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحةٌ، وقد لا تثبت على أمرٍ تعزم عليه: كقاضٍ سمع من خصمٍ واحدٍ فحكم له، فلما خضر الخصم الثاني عاد إلى الأول وقضى عليه. ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال النسك وضيقه؛ فقلت: ما أصغر هذه المشقة في جانب روح الأبد وراحته. ثم نظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع إلى عذاب الأبد وأهواله! وكيف لا يستحلي الرجل مرارةً قليلةً تعقبها حلاوةٌ طويلةٌ? وكيف لا تمر عليه حلاوةٌ قليلةٌ تعقبها مرارةٌ دائمةٌ? وقلت: لو أن رجلاً عرض عليه أن يعيش مائة سنةٍ، لا يأتي عليه يومٌ واحدٌ إلا بضع منه بضعةٌ ؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، أنه إذا استوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأذى، وصار إلى الأمن والسرور، كان حقيقاً ألا يرى تلك السنين شيئاً. أسبر ما أخاف ألا أصبر عليه من الأذى والضيق والخشونة في النسك؛ وما يصيب صاحب الدنيا من البلاء؛ وكان عندي أنه ليس شيءٌ من شهوات الدنيا ولذاتها إلا وهو متحول إلى الأذى ومولدٌ للحزن. فالدنيا كالماء الملح الذي يصيبه الكلب فيجد فيه ريح اللحم؛ فلا يزال يطلب ذلك حتى يدمي فاه. وكالحدأة التي تظفر بقطعة من اللحم، فيجتمع عليها الطير، فلا تزال تدور وتدأب حتى تعيا وتتعب؛ فإذا تعبت ألقت ما معها. وكالكوز من العسل الذي في أسفله السم الذي يذاق منه حلاوةٌ عاجلةٌ وآخره موتٌ ذعافٌ ، وكأحلام النائم التي يفرح بها الإنسان في نومه، فإذا استيقظ ذهب الفرح. فلما فكرت في هذه الأمور، رجعت إلى طلب النسك، وهزني الاشتياق إليه؛ ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحةٌ، وقد لا تثبت على أمرٍ تعزم عليه: كقاضٍ سمع من خصمٍ واحدٍ فحكم له، فلما خضر الخصم الثاني عاد إلى الأول وقضى عليه. ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال النسك وضيقه؛ فقلت: ما أصغر هذه المشقة في جانب روح الأبد وراحته. ثم نظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع إلى عذاب الأبد وأهواله! وكيف لا يستحلي الرجل مرارةً قليلةً تعقبها حلاوةٌ طويلةٌ? وكيف لا تمر عليه حلاوةٌ قليلةٌ تعقبها مرارةٌ دائمةٌ? وقلت: لو أن رجلاً عرض عليه أن يعيش مائة سنةٍ، لا يأتي عليه يومٌ واحدٌ إلا بضع منه بضعةٌ ؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، أنه إذا استوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأذى، وصار إلى الأمن والسرور، كان حقيقاً ألا يرى تلك السنين شيئاً.
    وكيف يأبى الصبر على أيام قلائل يعيشها في النسك، وأذى تلك الأيام قليلٌ يعقب خيراً كثيراً? فلنعلم أن الدنيا كلها بلاءٌ وعذابٌ. أوليس الإنسان إنما يتقلب في عذاب الدنيا من حين يكون جنيناً إلى أن يستوفي أيام حياته? فإذا كان طفلاً ذاق من العذاب ألواناً: إن جاع فليس به استطعامٌ، أو عطش فليس به استسقاءٌ، أو وجع فليس به استغاثةٌ؛ مع ما يلقى من الوضع والحمل واللف والدهن والمسح؛ إن أنيم على ظهره لم يستطع تقلباً؛ ثم يلقى أصناف العذاب مادام رضيعاً، فإذا أفلت من هذا الرضاع، أخذ في عذاب الأدب، فأذيق من ألواناً: من عنف المعلم، وضجر الدرس، وسآمة الكتابة؛ ثم له من الدواء والحمية والأسقام والأوجاع أوفى حظٍ. فإذا أدرك كانت همته في جمع المال وتربية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكد والتعب. وهو مع ذلك يتقلب مع أعدائه الباطنية اللازمة له: وهي الصفراء والسوداء والريح والبلغم والدم والسم المميت والحية اللاذعة؛ مع الخوف من السباع والهوام؛ مع صرف الحر والبرد والمطر والرياح؛ ثم أنواع عذاب الهرم لمن يبلغه. فلو لم يخف من هذه الأمور شيئاً، وكان قد أمن ووثق بالسلامة منها فلم يفكر فيها، لوجب عليه أن يعتبر بالساعة التي يحضره فيها الموت، فيفارق الدنيا؛ ويتذكر ما هو نازل به في تلك الساعة: من فراق الأحبة والأهل والأقارب وكل منونٍ به من الدنيا، والإشراف على الهول العظيم بعد الموت. فلو لم يفعل ذلك، لكان حقيقاً أن يعد عاجزاً مفرطاً محباً للدناءة مستحقاً للوم؛ فمن ذا الذي يعلم ولا يحتال لغد جهده في الحيلة، ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها? و لاسيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدرٌ فإنه وإن كان الملك حازماً عظيم المقدرة، رفيع الهمة بليغ الفحص، عدلاً مرجواً صدوقاً شكوراً، رحب الذراع مفتقداً مواظباً مستمراً عالماً بالناس والأمور، محباً للعلم والخير والأخيار، شديداً على الظلمة، غير جبانٍ و خفيف القياد، رفيقاً بالتوسع على الرعية فيما يحبون، والدفع لما يكرهون؛ فإنا قد نرى الزمان مدبراً بكل مكانٍ، فكأن أمور الصدق قد نزعت من الناس، فأصبح ما كان عزيزاً فقده مفقوداً، وموجوداً ما كان ضائراً وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلاً والشر أصبح ناضراً. وكأن الفهم أصبح قد زالت سبله. وكأن الحق ولى كسيراً وأقبل الباطل تابعه. وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكام موكلاً؛ وأصبح المظلوم بالحيف مقراً والظالم لنفسه مستطيلاً. وكأن الحرص أصبح فاغراً فاه من كل وجهةٍ يتلقف ما قرب منه وما بعد. وكأن الرضا أصبح مجهولاً. وكأن الأشرار يقصدون السماء صعوداً. وكأن الأخيار يريدون بطن الأرض؛ وأصبحت الدناءة مكرمةٌ ممكنةٌ؛ وأصبح السلطان منتقلاً عن أهل الفضل إلى أهل النقص. وكأن الدنيا جذلة مسرورةٌ تقول: قد غيبت الخيرات وأظهرت السيئات. فلما فكرت في الدنيا وأمورها؛ وأن الإنسان هو أشرف الخلق فيها وأفضله؛ ثم هو لا يتقلب إلا في الشرور والهموم، عرفت أنه ليس إنسانٌ ذو عقلٍ يعلم ذلك ثم لا يحتال لنفسه في النجاة؛ فعجبت من ذلك كل العجب. ثم نظرت فإذا الإنسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه إلا لذةٌ صغيرةٌ حقيرةٌ غير كبيرةٍ من الشم والذوق والنظر والسمع واللمس: فعله يصيب منها الطفيف أو يقتني منها اليسير؛ فإذا ذلك يشغله ويذهب به عن الاهتمام لنفسه وطلب النجاة لها.
    فالتمست للإنسان مثلاً، فإذا مثله مثل رجلٍ نجا من خوف فيلٍ هائجٍ إلى بئرٍ، فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها، فوقعت رجلاه على شيءٍ في طي البئر. فإذا حياتٌ أربع قد أخرجن رءوسهن من أحجارهن، ثم نظر فإذا في قاع البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه؛ فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه، إذا أبصر قريباً منه كوارةً فيها عسل نحلٍ؛ فذاق العسل، فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة في شيءٍ من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه؛ ولم يذكر أن رجليه على حياتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عليهن؛ ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفاتٍ وشروراً، ومخافاتٍ وعاهاتٍ؛ وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن: فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي والسم المميت؛ وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في إفناء الأجل؛ وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه؛ وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم ويسمع ويشم ويلمس، ويتشاغل عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده. فحينئذٍ صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي: لعلي أصادف باقي أيامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي، وسلطاناً على نفسي، وقواماً لأمري، فأقمت على هذه الحال وانتسخت كتباً كثيرةً؛ وانصرفت من بلاد الهند، وقد نسخت هذا الكتاب.
    باب الأسد والثور وهو أول الكتاب
    قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف، وهو رأس البراهمة: اضرب لنا مثلاً لمتحابين يقطع بينهما الكذوب المحتال، حتى يحملهما على العداوة والبغضاء. قال بيدبا: إذا ابتلي المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب المحتال، لم يلبثا أن يتقاطعا ويتدابرا. ومن أمثال ذلك أنه كان بأرض دستاوند رجلٌ شيخٌ وكان له ثلاثة بنين. فلما بلغوا أشدهم أسرفوا في مال أبيهم؛ ولم يكونوا احترفوا حرفةً يكسبون لأنفسهم بها خيراً. فلامهم أبوهم؛ ووعظهم على سوء فعلهم؛ وكان من قوله لهم: يا بني إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة أمور لن يدركها إلا بأربعة أشياء: أما الثلاثة التي يطلب، فالسعة في الرزق والمنزلة في الناس والزاد للآخرة؛ وأما الأربعة التي يحتاج إليها في درك هذه الثلاثة، فاكتساب المال من أحسن وجه يكون، ثم حسن القيام على ما اكتسب منه، ثم استثماره، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان، فيعود عليه نفعه في الآخرة. فمن ضيع شيئاً من هذه الأحوال لم يدرك ما أراد من حاجته: لأنه إن لم يكتسب، لم يكن مالٌ يعيش به؛ وإن هو كان ذا مالٍ واكتسابٍ ثم لم يحسن القيام عليه، أوشك المال أن يفنى ويبقى معدماً؛ وإن هو وضعه ولم يستثمره، لم تنعه قلة الإنفاق من سرعة الذهاب: كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا غبار الميل ثم هو مع ذلك سريعٌ فناؤه. وإن أنفقه في غير وجهه، ووضعه في غير موضعه، وأخطأ في مواضع استحقاقه، صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له؛ ثم لا يمنع ذلك ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه؛ كمحبس الماء الذي لا تزال المياه تنصب فيه، فإن لم يكن له مخرجٌ ومفيضٌ ومتنفسٌ يخرج الماء منه بقدر ما ينبغي، خرب وسال ونز من نواحٍ كثيرةٍ، وربما انبثق البثق العظيم فذهب الماء ضياعاً. ثم أنبني الشيخ اتعظوا بقول أبيهم وأخذوا به وعلموا أن فيه الخير وعولوا عليه؛ فانطلق أكبرهم نحو أرضٍ يقال لها ميون؛ فأتى في طريقه على مكانٍ فيه وحلٌ كثيرٌ؛ وكان معه عجلةٌ يجرها ثوران يقال لأحدهما شتربة وللآخر بندبة، فوحل شتربة في ذلك المكان، فعالجه الرجل وأصحابه حتى بلغ منهم الجهد، فلم يقدروا على إخراجه؛ فذهب الرجل وخلف عنده رجلاً يشارفه: لعل الوحل ينشف فيتبعه بالثور. فلما بات الرجل بذلك المكان، تبرم به واستوحش؛ فترك الثور والتحق بصاحبه، فأخبره أن الثور قد مات؛ وقال له: إن الإنسان إذا انقضت مدته وحانت منيته فهو وإن اجتهد في التوقي من الأمور التي يخاف فيها على نفسه الهلاك لم يغن ذلك عنه شيئاً؛ وربما عاد اجتهاده في توقيه وحذره وبالاً عليه .
    كالذي قيل: إن رجلاً سلك مفازةً فيها خوفٌ من السباع؛ وكان الرجل خبيراً بوعث تلك الأرض وخوفها؛ فلما سار غير بعيد اعترض له ذئبٌ من أحد الذئاب وأضراها؛ فلما رأى الرجل أن الذئب قاصد نحوه خاف منه، ونظر يميناً وشمالاً ليجد موضعاً يتحرز فيه من الذئب فلم ير إلا قريةً خلف واد؛ ورأى الذئب قد أدركه، فألقى نفسه في الماء، وهو لا يحسن السباحة، وكاد يغرق، لولا أن بصر به قومٌ من أهل القرية؛ فتواقعوا لإخراجه فأخرجوه، وقد أشرف على الهلاك؛ فلما حصل الرجل عندهم وأمن على نفسه من غائلة الذئب رأى على عدوة الوادي بيتاً مفرداً؛ فقال: أدخل هذا البيت فأستريح فيه. فلما دخله وجد جماعةً من اللصوص قد قطعوا الطريق على رجلٍ من التجار. وهم يقتسمون ماله؛ ويريدون قتله؛ فلما رأى الرجل ذلك خاف على نفسه ومضى نحو القرية؛ فأسند ظهره إلى حائط من حيطانها ليستريح مما حل به من الهول والإعياء، إذ سقط الحائط عليه فمات. قال التاجر: صدقت؛ قد بلغني هذا الحديث. وأما الثور فإنه خلص من مكانه وانبعث. فلم يزل في مرجٍ مخصبٍ كثير الماء والكلأ؛ فلما سمن وأمن جعل يخور ويرفع صوته بالخوار. وكان قريباً منه أجمةٌ فيها أسدٌ عظيمٌ؛ وهو ملك تلك الناحية، ومعه سباعٌ كثيرةٌ وذئابٌ وبنات آوى وثعالب وفودٌ ونمورٌ؛ وكان هذا الأسد منفرداً برأيه دون أخذٍ برأي أحدٍ من أصحابه. فلما سمع خوار الثور، ولم يكن رأى ثوراُ قط، ولا سمع خواره؛ لأنه كان مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط؛ بل يؤتى برزقه كل يومٍ على يد جنده. وكان فيمن معه من السباع ابنا آوى يقال لأحدهما كليلة وللآخر دمنة؛ وكانا ذوي دهاء وعلمٍ وأدبٍ. فقال دمنة لأخيه كليلة: يا أخي ما شأن الأسد مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط? قال له كليلة: ما شأنك أنت والمسألة عن هذا? نحن على باب ملكنا آخذين بما أحب وتاركين لما يكره؛ ولسنا من أهل المرتبة التي يتناول أهلها كلام الملوك والنظر في أمورهم. فأمسك عن هذا، واعلم أنه من تكلف من القول والفعل ما ليس من شأنه أصابه ما أصاب القرد من النجار. قال دمنة: وكيف كان ذلك? قال كليلة: زعمواً أن قرداً رأى نجاراً يشق خشبة بين وتدين، وهو راكب عليها؛ فأعجبه ذلك. ثم إن النجار ذهب لبعض شأنه. فقام القرد؛ وتكلف ما ليس من شغله، فركب الخشبة، وجعل ظهره قبل الوتد، ووجهه قبل الخشبة؛ فتدلى ذنبه في الشق، ونزع الوتد فلزم الشق عليه فخر مغشياً عليه. فكان ما لقي من النجار من الضرب أشد مما أصابه من الخشبة. قال دمنة: قد سمعت ما ذكرت، ولكن اعلم أن كل من يدنو من الملوك ليس يدنو منهم لبطنه، وإنما يدنو منهم ليسر الصديق ويكبت العدو. وإن من الناس من لا مروءة له؛ وهم الذين يفرحون بالقليل ويرضون بالدون؛ كالكلب الذي يصيب عظماً يابساً فيفرح به. وأما أهل الفضل والمروءة فلا يقنعهم القليل، ولا يرضون به، دون أن تسموا به نفوسهم إلى ما هم أهلٌ له، وهو أيضاً لهم أهلٌ؛ كالأسد الذي يفترس الأرنب، فإذا رأى البعير تركها وطلب البعير، ألا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه. حتى ترمى له الكسرة، وأن الفيل المعترف بفضله وقوته إذا قدم إليه علفه لا يعتلفه حتى يمسح ويتملق له. قمن عاش ذا مالٍ وكان ذا فضلٍ وإفضالٍ على أهله وإخوانه فهو وإن قل عمره طويل العمر. ومن كان في عيشه ضيقٌ وقلةٌ وإمساكٌ على نفسه وذويه فالمقبور أحيا منه. ومن عمل لبطنه وقنع وترك ما سوى ذلك عد من البهائم

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 16, 2017 10:03 pm